أبي الفرج الأصفهاني

107

الأغاني

وقال يحيى بن عليّ في خبره : إنه كان لإبراهيم لما مات أبوه سنتان أو ثلاث ، وخلَّف معه أخوين له من غير أمّه أكبر منه ، فأقام إبراهيم مع أمّه وأخواله حتى ترعرع ، فكان مع ولد خزيمة بن خازم في الكتّاب [ 1 ] ، فبهذا السبب صار ولاؤه لبني تميم . وسأله الرشيد فقال : ما السبب بينك وبين بني تميم ؟ فاقتصّ عليه قصّته ، / وقال : ربّونا يا أمير المؤمنين فأحسنوا تربيتنا ، ونشأت فيهم وكان بيننا وضاع ، فتولَّونا بهذا السبب ؛ فقال له الرشيد : ويحك ! فما أراك إذا إلَّا مولاي ؛ فقال : فهذه واللَّه قصّتي يا أمير المؤمنين . ما قيل في سبب نسبته إلى الموصل : قال يحيى بن عليّ في خبره : وكان سبب قولهم إبراهيم الموصليّ أنه لما نشأ واشتدّ [ 2 ] وأدرك ، صحب الفتيان واشتهى الغناء طلبه ، واشتدّ أخواله عليه في ذلك وبلغوا [ 3 ] منه ، فهرب منهم إلى الموصل ، فأقام بها نحوا من سنة ، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان : مرحبا بالفتى الموصليّ ، فلقّب به [ 4 ] . وقال أحمد في خبره : إن سبب طلبه الغناء أنه خرج إلى الموصل ، فصحب جماعة من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم ، ويجمعون ما يفيدونه فيقصفون [ 5 ] ويشربون ويغنّون ، فتعلَّم منهم شيئا من الغناء وشدا ، فكان أطيبهم وأحذقهم ، فلمّا أحسّ بذلك من نفسه اشتهى الغناء وطلبه وسافر إلى المواضع البعيدة فيه . وذكر ابن خرداذبه [ 6 ]

--> [ 1 ] قال الجوهري في « الصحاح » : « الكتاب والمكتب واحد وجمعه كتاتيب » . ونقل صاحب « اللسان » هذا القول ثم نقل عن المبرد قوله : إن من جعل الموضع الكتاب فقد أخطأ ، وقال : المكتب : موضع التعليم والكتاب : الصبيان . وذكر شارح « القاموس » عن شرح الشفاء أن استعمال الكتاب للمكتب وارد في كلامهم وأنه استفاض بهذا المعنى كقوله : وأتى بكتاب لو انبسطت يدي فيهم رددتهم إلى الكتاب ( انظر « الصحاح » و « الأساس » و « اللسان » و « القاموس » و « شرحه » مادة كتب ) . [ 2 ] اشتد : قوي وهذه الكلمة مثبتة في م ، س وساقطة من باقي النسخ . [ 3 ] أي استقصوا في إيذائه وتعنيفه . [ 4 ] في ط ، م ، ء : « فلجت عليه » ، يريد : لصقت به وغلبت عليه . [ 5 ] يقصفون : يرقصون ويلعبون . وفي « القاموس » و « شرحه » : « وأما القصف من اللهو واللعب فغير عربيّ . ونص » الصحاح « يقال : إنها مولدة . وقال ابن دريد في الجمهرة : فأما القصف من اللهو فلا أحسبه عربيا صحيحا ، وهكذا نقله الصاغاني . ويقال : هو الجلبة والإعلان باللهو . وفي الأساس : هو الرقص مع الجلبة . . . إلخ » . [ 6 ] يلاحظ أن المؤلف وصف ابن خرداذبه بهذه العبارة في غير موضع من كتابه ، مع أن ابن النديم ذكر ابن خرداذبه ومؤلفاته في كتابه « الفهرست » ( ص 149 طبع أوروبا ) ولم يتهمه أو يصفه بقلة التحصيل وضعف الرواية وخصوصا كتابه : « المسالك والممالك » المطبوع بمدينة ليدن سنة 1306 ه فإنه معدود من المصادر القيمة التي يعوّل عليها ويوثق بها . وقد اعتمد عليه في النقل ياقوت الحموي في كتابه « معجم البلدان » . ووصفه المسعودي المؤرّخ المشهور - وهو من معاصري ابن خرداذبه وأبي الفرج - في مقدمة كتابه « التنبيه والإشراف » ( ص 75 طبع مدينة ليدن ) بقوله : « . . . وأبو القاسم عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن خرداذبه في كتاب المعروف » بالمسالك والممالك « ، وهو أعم هذه الكتب شهرة في خواص الناس وعوامهم في وقتنا هذا » . ولعل سبب هذه الخصومة التي حملت أبا الفرج على أن يتحامل على ابن خرداذبه هو المنافسة والمعاصرة . وقد وصف المسعودي المنافسة والحسد بين المعاصرين في مقدّمة كتابه « التنبيه والإشراف » ( ص 76 ، 77 ) بقوله : « على أن من شيم كثير من الناس الإطراء للمتقدّمين وتعظيم كتب السالفين ، ومدح الماضي وذم الباقي ، وإن كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة . وقد ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : أنه كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم ، فينسبه إلى نفسه فلا يرى الأسماع تصغي إليه ، ولا الإرادات تيمم نحوه ؛ ثم يؤلف ما هو أنقص منه مرتبة وأقل فائدة ، ثم ينحله عبد اللَّه ابن المقفع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدّمين ومن قد طارت أسماؤهم في المصنفين ، فيقبلون على كتبها ويسارعون إلى نسخها ، لا لشيء إلا لنسبتها إلى المتقدّمين ، ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ومنافسته على المناقب التي يخص بها ويعني بتشييدها . وهذه طائفة لا يعبأ بها كبار الناس ، وإنما العمل على ذوي النظر والتأمل الذين أعطوا كل شيء حقه من العدل ، ووفوه قسطه من الحق ،